فريق بيكر الحائز على جائزة نوبل ينشر بحثًا هامًا في مجلة Nature: الذكاء الاصطناعي يصمم أجسامًا مضادة بدقة ذرية من الصفر، ويعيد تشكيل سوق الأدوية البالغ 4450 مليار دولار

November 08, 2025
Nature
7 min

ملخص إخباري

حقق فريق ديفيد بيكر، الحائز على جائزة نوبل في الكيمياء، إنجازًا ثوريًا في مجال تصميم الأجسام المضادة بالذكاء الاصطناعي. فقد أظهرت نتائج أبحاثهم الأخيرة، المنشورة في مجلة "نيتشر"، القدرة على تصميم جزيئات أجسام مضادة جديدة كليًا من الصفر وبدقة على المستوى الذري، مما يفتح مسارات جديدة لعلاج الأمراض الخطيرة مثل السرطان والأمراض المعدية. يمثل هذا البحث دخول البيولوجيا الحاسوبية وتطوير الأدوية عصرًا جديدًا.


جامعة واشنطن، 5 نوفمبر 2025 – بعد شهر واحد فقط من حصوله على جائزة نوبل في الكيمياء لعام 2024، أحدث مختبر البروفيسور ديفيد بيكر، مدير معهد تصميم البروتين بجامعة واشنطن، صدمة جديدة في الأوساط العلمية. فقد أعلنت ورقته البحثية الأخيرة، المنشورة في المجلة الأكاديمية المرموقة "نيتشر" (Nature)، عن اختراق كبير من شأنه أن يعيد تشكيل مشهد صناعة الأدوية: تصميم أجسام مضادة من الصفر باستخدام تقنية الذكاء الاصطناعي، قادرة على استهداف الجزيئات المرتبطة بالأمراض بدقة.

من المستحيل إلى الواقع: الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل تطوير الأجسام المضادة

تُعد الأجسام المضادة دعامة أساسية للطب الحديث، ومن المتوقع أن يصل حجم سوق علاجات الأجسام المضادة العالمي إلى 445 مليار دولار في السنوات الخمس المقبلة. ومع ذلك، يعتمد تطوير الأجسام المضادة التقليدي على تحصين الحيوانات، أو الفحص العشوائي، أو عزل الأجسام المضادة من المرضى، وهي طرق ليست مستهلكة للوقت والجهد فحسب، بل غالبًا ما تفشل في الحصول على الأجسام المضادة المثالية التي تستهدف نقاط علاجية محددة.

لقد غير بحث فريق بيكر هذا الوضع تمامًا. فقد أظهرت الورقة البحثية، التي تحمل عنوان "تصميم الأجسام المضادة من الصفر بدقة ذرية باستخدام RFdiffusion" (Atomically accurate de novo design of antibodies with RFdiffusion)، كيف يمكن تصميم جزيئات أجسام مضادة جديدة كليًا من الكمبيوتر، من خلال شبكة التعلم العميق RFdiffusion المعدلة بدقة، بالاشتراك مع تقنية فحص العرض على سطح الخميرة.

وأوضح أندرو بورست، أحد المؤلفين الرئيسيين للبحث ورئيس قسم البحث والتطوير في المجهر الإلكتروني: "هذا يشبه إنشاء عمل فني من لوحة قماشية فارغة، بدلاً من تعديل عمل موجود. لقد كان تحديًا كبيرًا – حلمًا بعيد المنال. والآن حققنا هذا الإنجاز، ويمكن لهذا البحث أن يستمر في التطور إلى مستويات لا يمكن تخيلها."

اختراق تقني: تصميم دقيق لست مناطق محددة للتكامل

أحد أبرز الإنجازات المذهلة لهذا البحث هو النجاح في تصميم جزيئات أجسام مضادة كاملة تحتوي على ست مناطق جديدة كليًا محددة للتكامل (CDRs). تُعد مناطق CDRs المناطق الرئيسية التي يتعرف بها الجسم المضاد على الهدف ويرتبط به، وهي بمثابة "أصابع" الجسم المضاد، وتتطلب دقة على المستوى الذري لالتقاط جزيئات معينة مرتبطة بالأمراض.

قام فريق البحث بالتحقق من التصميمات ضد أهداف متعددة مرتبطة بالأمراض، بما في ذلك:

  • سم المطثية العسيرة B (Clostridium difficile TcdB)
  • هيماجلوتينين فيروس الإنفلونزا
  • نطاق ربط المستقبلات لفيروس كورونا المستجد (SARS-CoV-2)
  • الفيروس المخلوي التنفسي

باستخدام تقنية المجهر الإلكتروني فائق البرودة (Cryo-EM)، أكد الباحثون أن جزيئات الأجسام المضادة المصممة تتوافق بشكل كبير مع النماذج الحاسوبية، حيث بلغت دقة التركيب من 0.2 إلى 1.1 أنجستروم (1 أنجستروم = 10^-10 متر). هذه الدقة التصميمية على المستوى الذري لم يسبق لها مثيل.

أظهر الجسم المضاد أحادي النطاق (VHH) الموجه ضد فيروس الإنفلونزا ألفة قدرها 78 نانومولار، بينما بلغت ألفة الجسم المضاد الموجه ضد سم المطثية العسيرة 72 نانومولار. والأهم من ذلك، أن هذه الأجسام المضادة كانت قادرة على الارتباط بدقة بالحواتم (epitopes) المحددة مسبقًا، ونجحت في تحييد نشاط السموم في التجارب المخبرية (in vitro).

من المختبر إلى العيادة: تسريع عملية تطوير الأدوية

تم التحقق من التطبيق العملي لهذه التقنية بشكل كامل. فقد قام فريق البحث بتحويل الجزء المتغير أحادي السلسلة (scFv) المصمم إلى جسم مضاد كامل من نوع IgG1، مع الحفاظ على ألفة ارتباط مماثلة (68 نانومولار). يثبت هذا أن الطريقة يمكن تطبيقها مباشرة على تطوير الأجسام المضادة كاملة الطول، مما يمهد الطريق للتطبيقات السريرية.

ومن الجدير بالذكر أن الباحثين استخدموا أيضًا نظام OrthoRep للتحور الفائق المستمر لإجراء نضوج الألفة على الأجسام المضادة المصممة مبدئيًا، مما أدى إلى زيادة ألفة الارتباط بحوالي مرتبتين عشريتين، لتصل إلى مستويات نانومولار أحادية الرقم أو حتى تحت النانومولار، مع الحفاظ على نمط الارتباط الأصلي للتصميم.

والأكثر تطلعًا للمستقبل هو أن الفريق نجح في تصميم أجسام مضادة تستهدف الببتيد PHOX2B المرتبط بالورم الأرومي العصبي مع مركب MHC. كان هذا الهدف صعب المنال بالطرق التقليدية سابقًا، وتوفر التقنية الجديدة إمكانيات جديدة لعلاج هذا النوع الخطير من سرطان الأطفال.

روح المصدر المفتوح: إفادة المجتمع البحثي العالمي

استمرارًا لفلسفة البروفيسور بيكر المعتادة في المصدر المفتوح، تم إتاحة البرنامج المستخدم في هذا البحث مجانًا على GitHub، ليستخدمه المجتمع الأكاديمي والأفراد والمستخدمون التجاريون حول العالم. سيسرع هذا النهج العلمي المفتوح من الابتكار وتطوير الأدوية القائمة على الأجسام المضادة على نطاق عالمي.

يشمل المؤلفون الأوائل للورقة البحثية ناثانيال بينيت، وجوزيف واتسون، وروبرت راغوت، وأندرو بورست، وآخرين، وجميعهم عملوا سابقًا في معهد تصميم البروتين بجامعة واشنطن. وقد قاد ديفيد بيكر هذا البحث بصفته المؤلف المراسل.

التأثير الصناعي: شركات التكنولوجيا الحيوية تتسابق على الاستثمار

أثار هذا البحث الرائد اهتمامًا كبيرًا في صناعة التكنولوجيا الحيوية. فقد حصلت شركة Xaira Therapeutics الناشئة ذات التمويل الجيد (والتي يقودها خريجون من معهد تصميم البروتين) على ترخيص جزئي للتقنية للاستخدام التجاري، ويعمل العديد من مؤلفي الورقة البحثية حاليًا في هذه الشركة.

يعتقد خبراء الصناعة أنه مع تحسين الأساليب وزيادة معدلات النجاح، من المتوقع أن يكون تصميم الأجسام المضادة حاسوبيًا أسرع وأكثر فعالية من حيث التكلفة مقارنة بتحصين الحيوانات أو فحص المكتبات العشوائية. وهذا سيزيد من عدد الأهداف السريرية والأمراض التي يمكن علاجها بالعلاجات القائمة على الأجسام المضادة.

آفاق المستقبل: عصر الطب الدقيق المدفوع بالذكاء الاصطناعي

صرح البروفيسور بيكر في مقابلة بعد حصوله على جائزة نوبل: "أنا متحمس جدًا للمستقبل. أعتقد أن تصميم البروتين يمتلك إمكانات هائلة لجعل العالم مكانًا أفضل، ونحن حقًا في البداية فقط."

لا يزال هناك مجال للتحسين في هذا البحث. فقد أشار فريق البحث إلى أن دمج أحدث التحسينات المعمارية، والتطورات الجديدة في النمذجة التوليدية، والقدرة على التوسع لتشمل ذرات غير بروتينية (مثل مجموعات السكر)، سيعزز بشكل أكبر من معدل نجاح التصميم ونطاق تطبيقه.

والأكثر إثارة هو أن نظام AlphaFold3، الذي تم إطلاقه بعد نشر الورقة البحثية، أظهر، بعد تحليل بأثر رجعي، قدرة على زيادة معدل النجاح التجريبي بشكل كبير. إن دمج أدوات التنبؤ المحسنة هذه في المستقبل سيزيد بشكل كبير من معدل نجاح تصميم الأجسام المضادة.

الأهمية العلمية: تصميم الحياة بدقة ذرية

من منظور أوسع، يمثل هذا البحث قفزة نوعية في البيولوجيا التركيبية. فلأول مرة، أصبح البشر قادرين على تصميم جزيئات بيولوجية وظيفية من الصفر بدقة على المستوى الذري، بناءً على الاحتياجات، بدلاً من الاعتماد على قوالب التطور الطبيعي.

أظهر التحقق الهيكلي بواسطة المجهر الإلكتروني فائق البرودة أن الأجسام المضادة المصممة لفيروس الإنفلونزا وسم المطثية العسيرة تتوافق بشكل كبير مع النماذج الحاسوبية، بما في ذلك حلقة H3 شديدة التباين والتوجه الكلي للارتباط، وتختلف هذه الهياكل بشكل كبير عن أي هياكل معروفة في قاعدة بيانات PDB.

وأكدت الورقة البحثية: "هذه هي أول الأجسام المضادة المصممة من الصفر التي تم التحقق من تركيبها." هذا الإنجاز لا يثبت فقط جدوى التقنية، بل يفتح أيضًا نموذجًا جديدًا تمامًا لتصميم الأدوية.

خاتمة

يجمع هذا البحث الذي أجراه فريق ديفيد بيكر بين البيولوجيا الحاسوبية والذكاء الاصطناعي والبيولوجيا الهيكلية بشكل مثالي، ويُظهر الإمكانات الهائلة للعلوم والتكنولوجيا في خدمة صحة الإنسان. من جائزة نوبل إلى ورقة بحثية بارزة في "نيتشر"، يجسد البروفيسور بيكر عمليًا معنى "العلم بلا حدود".

مع التحسين المستمر للتقنية والتوسع التدريجي في تطبيقاتها، لدينا سبب للاعتقاد بأن عصرًا جديدًا للطب الدقيق المدفوع بالذكاء الاصطناعي قادم. وقد تجد الأهداف التي كانت تُعتبر "غير قابلة للعلاج الدوائي"، والأمراض التي طالما عانت منها البشرية، بصيص أمل للعلاج في المستقبل القريب.


عن المؤلف

ديفيد بيكر، أستاذ الكيمياء الحيوية بجامعة واشنطن، ومدير معهد تصميم البروتين، وباحث في معهد هوارد هيوز الطبي. حائز على جائزة نوبل في الكيمياء لعام 2024، تقديرًا لإسهاماته الرائدة في تصميم البروتين الحاسوبي. نشر أكثر من 640 ورقة بحثية محكمة، ويمتلك أكثر من 100 براءة اختراع، وشارك في تأسيس 21 شركة للتكنولوجيا الحيوية.

معلومات الورقة البحثية

  • العنوان: Atomically accurate de novo design of antibodies with RFdiffusion (تصميم الأجسام المضادة من الصفر بدقة ذرية باستخدام RFdiffusion)
  • المجلة: Nature
  • تاريخ النشر: 5 نوفمبر 2025
  • معرف الكائن الرقمي (DOI): 10.1038/s41586-025-09721-5
  • المؤلفون: ناثانيال آر. بينيت، جوزيف إل. واتسون، روبرت جيه. راغوت، أندرو جيه. بورست، وأعضاء الفريق الآخرون.

مدة القراءة: حوالي 8 دقائق